• شبكة التحاور الاجتماعي - الوارثون

    الوارثون مفهوم قرآني يحيل إلى إرث الحكمة النبوية (مريم ٩) وإلى وراثة الحضارات المتعاقبة لبعضها (الأعراف ١٠٠)، وكذلك الصالحين الذين يرثون الأرض في آخر الزمان (الأنبياء ٢١). وفي السياق المتصل بهذه السطور، الوراثة هي التوجه الذي نرى أنه الأليق بالعرب والمسلمين تجاه الحضارة الحديثة، وهي كبرى ممتلكات البشر حالياً، لكنها تعاني في هذا القرن من تدهور متسارع قد ينتهي بانقلابها على نفسها وأهلها. التوجه المقصود هو الحرص على الحضارة والعناية بها، ثم التبني الواعي لما فيها من حق وعدل بوصفه التراث الشخصي للصالحين جميعاً، ومن هنا الحذر من توجيه النقد إلا بالتي هي أحسن، أي أجود وأجمل.


    لقد سعى متكلمونا وفلاسفتنا القدامى لإنتاج ميتافيزيقيا متجاوبة مع العلوم اليونانية الرياضية والطبيعية، لكن التجاوب المطلوب اليوم، والذي ما يزال علم الكلام المعاصر قاصراً عنه، هو تجاوب مع العلوم الغربية الاقتصادية والتاريخية. هذه العلوم هي الإنجاز المعرفي الضخم الذي لاح لمفكّري غرب أوروبا بالتوازي مع التوسّع الاستعماري لبلدانهم.

    شهدت العربية المعاصرة أمواجاً من التفكير الحديث العميق والملتزم، ولكنها قلما عرفت مدارس فكرية تراكمية تملك سيادتها على عقلها ومفرداتها ومنجزاتها. أكثر الفكر العربي الحي يساري وحبيس أسئلة المجتمعات الأوروبية، وقلما حظي اليمين القومي والديني بجهد شبيه يهذّب هويته ويشدّه إلى أفق كوني. القوم والدين معضلتان فلسفيتان وتاريخيتان واجتماعيتان وأخلاقيتان عند العرب، ومن الصعب فهمهما من الخارج دون أخذ الداخل بما فيه من أسئلة وشجون. وهذا يعني أن أي نهضة بلغة عربية بحاجة نهضة موازية بروح إسلامية، وبالتالي جمع العلوم التقنية والتجريبية مع العلوم الإنسانية على العموم، وصولاً إلى أقدم علوم العرب أي اللغة والفقه والأدب. غياب هذه النهضة المزدوجة هو ما جعل جيل الثورات العربية يعيش تجربة كبرى دون إنجاب أفكار جديدة، حيث بقي التأطير التاريخي والفلسفي لهذه التجربة في يد الأجيال السابقة. واليوم شواغل هذا الجيل تائهة ومبعثرة. فالهمّ القومي لم يتوقف بل تأجّل أو أكلته هموم يومية أكثر إلحاحاً، مثل الخبز أو الحرية، مع همّ عملاق عولمي يتمثل في إمبراطورية ثقافية واقتصادية تفرض ظلّها العالي على حركة الأفكار في مختلف اللغات.

    ومن أبرز تجليات ذلك الظلّ العالي هو السجن الكبير الذي نعيش داخله نتيجة الوسائط التنقية المستعملة التي نستعملها لتناقل وتلاقح الأفكار. فالمنتديات والمدونات القديمة تبخرت أو تعفّنت مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، وهذه الوسائل تخنق العلاقات وتشتّت العقول وتذرّر الأفكار وتقولب الجماعات، وكل ذلك في خدمة النموذج الاستهلاكي والإدماني الذي تقوم عليه. كان الإنترنت القديم، زمن المنتديات، يوفر تواصلاً معقولاً لوجود شيء من المدنية والطوعية في تجمعاته الافتراضية، حيث كان للتجمع منطق تراتبي وأدوات إشراف وتحقق وآليات اصطفاء تتيح التعاون على التفكير. ثم جاءت وسائل التواصل فاستعمرت أذهاننا بخوازمياتها الربحية. وبعد ذلك صعدت صحافة إلكترونية بالشكل، لكن مضمونها نشر باتجاه واحد دون ابتكار ودون دورات التفاعل ودون إنتاج صناعة سجالية حقاً. كما أن المؤسسات المعرفية المعتمدة على التمويل نظّمت نفسها حول ضمان دفق الأموال وخدمة البرامج المتاحة، وقليلاً ما افتكّت لنفسها فسحة ميتا-أيديولوجية رحبة. وأغلب الظن أن الأفكار والمدارس والمذاهب الجديدة تتشكل بعد تراكم إرث مرئي قابل للتمحيص والتقميش والتوليف، بما يعني مأسسة فعل التفكير والتحرير. وهنا الفرصة السانحة اليوم.

    من غير الصعب اليوم تأسيس وإدارة موقع إلكتروني مستقل يقدم كل ميزات التواصل الاجتماعي مع إمكانية تخصيص غير محدودة، وهذا الموقع جهد شبه فردي حتى الآن. وهو ينطلق من قناعة تاريخية، هي أقرب إلى مجازفة، تقول بأن جيل الثورات هو أول جيل في عمر حداثتنا يمتلك معرفة حميمة ومعقولة بكل من تراثَي الإسلام والغرب، ما يعني أن لديه ذخيرة فلسفية واعدة لو أحسن جمعها.

    ما تقدمه شبكة الوارثون هو حل تقني كلاسيكي،
    ومواد فكرية أولية لتحريض التفكير،
    ولملمة لكتابات عربية شابة على المواقع والشبكات،
    ومحاولة لبناء منهج تحاوري بين مختلف الهموم التي تشغل بال الفاعلين والمفكرين.


    يمكن اعتبار المرحلة الممتدة بين اهتزاز النظام السوري في ٢٠١١ وسقوطه في ٢٠٢٤ مخاضاً تأسيسياً عاشته واحدة من الجماعات العربية الأكثر تعليماً وانتشاراً وتأثيراً في الماضي والحاضر، أي الجماعة السورية. ويمكن اعتبار انعتاق هذه الجماعة، الجزئي على الأقل، لحظة نادرة وبداية طازجة بحاجة إلى استثمار نظري حقيقي لكي تنتهي نهاية سعيدة أو قابلة للتحكّم.

    تكثّف سوريا اليوم الأحوال البائسة للجمهوريات التقدمية العربية، التي دارت دورة كاملة حول نفسها ثم سلّمت لشعوبها خراب العمران وتخشّب اللغة وفقدان الإيمان. هذا، على الأقل، ما يستشعره اليتامى الفكريون للنظام السوري، سواءً في وجهه الاشتراكي التحديثي، أو العروبي التوحيدي، أو الممانع المناهض للإمبريالية، أو الوطني الحارس لمؤسسات الدولة، أو الليبرالي الحامي للأقليات وأنماط الحياة الغربية. ليس هؤلاء اليتامى فلولاً، ولكنهم سجناء عالم قديم ما يزال يظنّ نفسه الفكرة الوحيدة الممكنة.

    من جهة أوسع، تتكثّف في مجتمعات بلاد الشام أسئلة نظرية وتاريخية مثيرة للغاية لجميع العرب وربما المسلمين: مناهج التأريخ العربي، علاقة العروبة بالحضارات السابقة عليها، صعود الأمويين ثم ارتحالهم إلى إسبانيا، سقوط الدولة العثمانية وتحور المسألة الشرقية، نشأة الصحافة واللغة العربية الحديثة، المهجر والشتات الفلسطيني واللبناني والسوري والعراقي، اليهودية والصهيونية وهدف الصراع العربي معهما، الأقليات الدينية، التسنن والتشيع والباطنية، الحركة القومية العربية وما أصابت فيه وما أخفقت، السلفية الإصلاحية والسلفية الجهادية، خيارات التنمية الاقتصادية بين دول الخليج وشرق آسيا، دور الدولة في السوق ودور السوق في الثقافة، صراع المحورين الشرقي والغربي على شرق المتوسط، وغير ذلك. ولا ننسى أن نخبة متدينة تحكم البلاد الآن وتنتشر في ظلها شبكات دعوية كثيرة لا تملك الثقافة العربية المعاصرة الأدوات الملائمة لفهمها ودراستها والتأثير فيها، وفي المقابل لا تملك هذه النخبة أي طرح واضح في أصول الدين أو أصول السياسة.

    في سوريا ولكن أيضاً في كل عوالم العرب، ثمة حاجة ماسة لتخمير الذهن وتجريب الخيال والنقاش ببطء وحرية وجرأة حول مسائل كثيرة ومعقدة وشاقة، بالتفاعل مع الراهن لكن دون انحباس فيه ولا دوران حول الموروث الجامد، العلماني الحديث المتقادم أو الإسلامي القديم المتحادث. سواءً كان المرء مع الشرقيين أم ضدهم، لا معنى للتبرّع بكل ما في الحضارة المعاصرة لغربيين متخيَّلين أو جعلهم في حالة صراع مع حضارات أخرى مناوئة، بما يلغي مفهوم وحدة العائلة الآدمية. وبالمثل، لا معنى لاعتبار منجزات الرأسمالية الصناعية نقائض للمعنى أو للإيمان أو لمصالح أبناء الثقافات الكبرى الخاسرة مثلنا نحن العرب أو المسلمين. وفي وجه فشل القداميين ومكابرتهم، وتعثّر الحداثيين وفشلهم الدموي، يبقى أن على الإيمان أن يجدّد نفسه ويطوّر فكراً أصيلاً وناجعاً وغير مستورد من مجتمعات إيمانية قديمة.


    تشير كلمة العلم في العربية إلى نتاج كل من المؤسسات الأكاديمية أو الحلقات المسجدية، لكن يمكن توسعة معنى الكلمة ليشمل التواصل المكتوب بين العقلاء والذي قفز قفزات مهولة لعلها هي أصل كل حداثة: تقنيات التواصل العابر للمسافات، بدءاً من اختراع الكتابة قبل ٥٠٠٠ سنة، ثم تعميم اختراع الورق قبل ١٢٠٠ سنة، وبعد فترة اختراع الطباعة قبل ٦٠٠ سنة، وأخيراً التواصل الإلكتروني اللحظي قبل ٣٠ سنة. وهنا يمكن اعتبار الصحافة مهنة كتابية تجسر الاجتماعي والفقهي وما بينهما، سواءً كان الفقه تعبّدياً كما في علوم الدين الإسلامي أو تعلّمياً كما في مناهج البحث الأكاديمي أو حوكمياً كما في البيرقراطيات الوطنية.

    بل يمكن القول إن الصحافة هي التي اخترعت الاجتماع الإنساني الحديث، لما صنعته من خيال مشترك عابر للمدن والجمعيات والجامعات. ثم يمكن القول إن الدين هو الذي اخترع الاجتماع الإنساني بحد ذاته، لما صنعه وما يزال يصنعه من خيال كوني وأخلاقي ينشد المطلق ويصطنع مفهوماً للحقيقة وللواجب في حياة البشر العاديين. وفي حين يقول باحثون كثر إن الدين صورة الإنسان وشكل مدينته الفاضلة، يمكن القول إن الصحافة الدينية صحافة اجتماعية أساساً وأولاً. وبالاقتباس عن روح الجدل التي يحفل بها القرآن وطبعت الكثير من كتابات أسلافنا، يمكن القول أيضاً إن الدين لا يمكن ألا يكون سجالاً متواصلاً وتجديداً موسمياً. وإن كان الدين الحق معرفة صحيحة، فإن المعرفة في كل الأحوال تسير على خطوطها المشتركة العابرة للتقاليد الدينية وغيرها، من دراسة الوجود (علم الكلام، الأنطولوجيا) إلى شرح مراتب القيم (التزكية، الأكسيولوجيا) إلى مصادر المعرفة (الأصول، الإبستمولوجيا)، إلى نظام الأشياء المادية في العالم (الطبائع، الكوزمولوجيا) ثم العوالم الاجتماعية للبشر (العمران، السوسيولوجيا). وهذا يعني أن الفلسفة لا تنفصل عن الدين، وأن كليهما لا ينفصل عن السياسة.

    هذه صحيفة دينية إذن، بل شبكة صحف دينية. ولكن الدين هو كل شيء في عرف أصحاب هذه الصحف، فنقده هو النقد الجذري، وإصلاحه هو الإصلاح الجذري. فقد يكون مركز اهتمام صحيفة من الصحف السياسة، أو الاقتصاد، أو الفن، أو غير ذلك، قد تكون معنية بتجنيد النخب المتخصصة فيه، لكن دون أن تقصر مروحة اهتمامها عليه.


    مشروعنا سيتجنب مناصرة فلسفة مسبقة الصنع، ويسعى لبناء أوتوسترادات تحاورية تتكون حولها مجتمعات بحثية أولية. والأوتوسترادات المقترحة خمسة:

    ــ ففلسفة اللغة تدرس علاقات الألفاظ وبناء الجمل وتواريخ المعاني وشبكات الدلالة ونحت المصطلحات وقراءة النصوص بعمق.
    ــ وفلسفة الجمال تتناول الذوق البشري وكل عمل لغوي أو سمعي أو بصري أو تشكيلي أو إبداعي يخاطبه مع تفاصيل هذه المخاطبة.
    ــ والنظرية الاجتماعية تعني ما يتعلق بالبداوة والتحضّر ونشوء أو تحلّل المدن والأسئلة التنظيمية والقانونية والتقنية المتعلقة بالحكم.
    ــ والعلوم السياسة تبحث الأخبار وما وراءها وكيف يمكن فهمها وتحليلها وفق مسائل القوة والثروة والهياكل المادية المتصارعة عليها.
    ــ وفلسفة العلم تغطي الكون من فيزياء وكيمياء وأحياء وصولاً إلى الإنسان وسلوكه وأدوات معرفته وحتى الروحانية والإرث المقدّس.

    وهكذا ستنقسم شبكة الوارثون إلى خمس صحف تخاطب خمسة شرائح اهتمام: صحيفة النحو، صحيفة الصنعة، صحيفة العمران، صحيفة الأحداث، صحيفة الحكمة. وكل صحيفة من هذه الصحف ستشتغل على تغطية مروحة من القضايا من منظور سؤالها النظري المركزي، وستستضيف كتابات متنوعة تصبّ في مجال اختصاصها، بعضها قصير ووجيز وبعضها متعوب عليه على مدار أشهر، وستمارس دوراً يمزج بين نقل المعرفة وتبسيطها واستضافة حوارات بشأنها، كله بشكل مكتوب وبعيداً عن ديناميات الشفاهة التي تذخر بها المشاريع الإعلامية الحالية فتخسر فرصة التثبيت والبناء لمصلحة التحاور مع أرواح المشاهدين المتطايرة.

    العلم هو الكتابة. ونحن هنا لنجمع أفضل المكتوب ونغرسه ونهيّئ له أفضل ظروف التهوية والرعاية والسقاية. فلتكن أشجاراً طيبة أصلها ثابت وفروعها تمتد حتى السماء.